الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

241

انوار الأصول

الاختيار الكامنة في النفس ، وإراديّة صفة الاختيار واختياريتها إنّما هي بذاتها فإنّ كلّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات ، وذلك مثل أنّ المعلوم يكون معلوماً بتعلّق العلم به ، والعلم معلوم بذاته لا يتعلّق علم آخر به . يبقى الكلام في توضيح نكتة أنّ الإرادة كيف تترشّح وتنشأ من صفة الاختيار الكامنة في النفس وأنّ النفس تخلقها وتوجدها بذاتها وبلا وسائط أخرى خارجيّة ، فنذكر في هذا المجال ما أفاده في رسالة الطلب والإرادة ، ونعم ما أفاد ، فإنّه جدير بالدقّة والتأمّل وإليك نصّ كلامه : « اعلم أنّ الأفعال الاختياريّة الصادرة من النفس على نوعين : النوع الاوّل : ما يصدر منها بتوسّط الآلات الجرمانيّة كالكتابة والصياغة والبناء ففي مثلها تكون النفس فاعلة الحركة أوّلًا وللأثر الحاصل منها ثانياً وبالعرض ، فالبنّاء ، إنّما يحرّك الأحجار والأخشاب من محلّ إلى محلّ ويضعها على نظم خاصّ وتحصل منه هيئة خاصّة بنائيّة وليست الهيئة والنظم من فعل الإنسان إلّا بالعرض ، وما هو فعله هو الحركة القائمة بالعضلات أوّلًا وبتوسّطها بالأجسام ، وفي هذا الفعل تكون بين النفس المجرّدة والفعل وسائط ومبادٍ من التصوّر إلى العزم وتحريك العضلات . النوع الثاني : ما يصدر منها بلا وسط أو بوسط غير جسماني كبعض التصوّرات التي يكون تحقّقها بفعّاليّة النفس وإيجادها لو لم نقل جميعها كذلك ، مثل كون النفس خلّاقة للتفاصيل ، ومثل اختراع نفس المهندس صورة بديعة هندسيّة ، فإنّ النفس مع كونها فعّالة لها بالعلم والإرادة والاختيار لم تكن تلك المبادئ حاصلة بنحو التفصيل كالمبادئ للأفعال التي بالآلات الجسمانيّة ، ضرورة أنّ خلق الصور في النفس لا يحتاج إلى تصوّرها والتصديق بفائدتها والشوق والعزم وتحريم العضلات ، بل لا يمكن توسيط تلك الوسائط بينها وبين النفس بداهة عدم إمكان كون التصوّر مبدأً للتصوّر بل نفسه حاصل بخلّاقيّة النفس ، وهي بالنسبة إليه فاعلة بالعناية بل بالتجلّي لأنّها مجرّدة ، والمجرّد واجد لفعليات ما هو معلول له في مرتبة ذاته ، فخلّاقيته لا تحتاج إلى تصوّر زائد بل الواجدية الذاتيّة في مرتبة تجرّدها الذاتي الوجودي تكفي للخلّاقيّة ، كما أنّه لا يحتاج إلى إرادة وعزم وقصد زائد على نفسه . إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ العزم والإرادة والتصميم والقصد من أفعال النفس ، ولم يكن سبيلها سبيل الشوق والمحبّة من الأمور الانفعاليّة ، فالنفس مبدأ الإرادة والتصميم ، ولم تكن